كيف تؤثر البيئة على الجينات الخاصة بنا؟
بقلم: فيليب بول
عن: سيانتيفيك أميريكان، تشرين أول- تشرين ثاني 2011
لغز ما زال من دون حل في الكيمياء
تقول الفكرة القديمة في علم الأحياء: يتم تحديد هويتنا بواسطة الجينات الخاصة بنا. أصبح من الواضح، في يومنا هذا، أن السؤال حول أي الجينات نستخدم هو ليس أقل أهمية. وأشبه بأي شيء في البيولوجيا، فإن الكيمياء تحتل صميم هذا السؤال.
بإمكان خلايا الجنين في المرحلة المبكّرة أن تتطور لأي نوع من الخلايا. ولكن مع نمو الجنين، تجتاز هذه الخلايا، المسماة خلايا الجذع متعددة القدرات، انقسامًا وتؤدي وظائف مميزة (مثل خلايا الدم، العضل أو العصب)، وظائف تبقى ثابتة في أنسالها. إن تكوّن الجسم البشري هو عملية تجتاز فيها الكروموزومات في خلايا الجذع تغييرا كيميائيا يشغّل أو يوقف صفائف كاملة من الجينات.
غير أن أحد الاكتشافات الأكثر ثورية في بحث الاستنساخ وخلايا الجذع، كان أن هذه التغييرات قابلة للانعكاس وتتأثر بالأحداث التي يشعر بها الجسم. خلال عملية انقسام الخلايا، لا تقوم الخلايا بشل الجينات شلا دائما ولا تحتفظ بالجينات التي تحتاج إليها فقط، بحالة الانتظار. عوضا عن ذلك، تحافظ الجينات التي تم إطفاؤها على القدرة على العمل في حالة الخمود، أي أنها تحافظ على قدرتها على إنتاج البروتينات التي تشفرّها، وقد يتم تشغيلها مجددا، مثلا في أعقاب التعرض إلى مواد كيميائية معينة واردة من البيئة.
إن ما يثير مشاعر علماء الكيمياء ويتحداهم هو أن الرقابة على هذه الجينات ترتبط على ما يبدو بأحداث كيميائية بحجم أكبر من حجم الذرات والجزيئات، في المجال الوسطي (mesoscale)، الذي تعمل فيه المباني الجزيئية الكبيرة ومجموعات كبيرة من الجزيئات. المادة كروماتين التي تركّب الكروموزومات من الدي. إن. إيه والبروتينات، مبنية ببنية هرمية. سلسلة الدي. إن. إيه المزدوجة تلتف حول أجزاء أسطوانية مركّبة من بروتينات تدعى هيستونات. سلسلة الحلقات هذه معبئة هي أيضا ببنيات ذات ترتيب أعلى، ونحن لا نفهمها كثيرا. تحدث رقابة مشددة في الخلايا على هذه العبوة. قد يحدد الشكل والمكان اللذان تتم فيهما تعبئة جين معين داخل الكروماتين، فيما إذا سيكون الجين جينا فعالا أم لا.
تعمل في الخلايا إنزيمات هادفة، حيث تحدد الشكل المتغير للكروماتين . تلعب هذه الإنزيمات دورًا هاما في عملية الانقسام داخل الخلية. يبدو أن للكروماتين في الخلايا الجذعية الجنينية مبنى أكثر حرية وانفتاحا. عندما يتم شل جينات معينة، يصبح الكروماتين أكثر تكتلا وترتيبا. يقول أخصائي علم الأمراض بردلي برنشطاين من المستشفى العام في ماساتشوستس "يبدو أن الكروماتين يثبت ويحافظ، أو أنه يجعل الخلايا تستقر".
علاوة على ذلك، تشارك في تصميم الكروماتين تغييرات كيميائية للدي. إن. إيه والهيستونات. تلتصق بها جزيئات صغيرة وتستخدم كيافطات. إنها تشير للمنظومة الخلوية لتقوم بإسكات جينات معينة، أو عكس ذلك، إطلاقها للقيام بالعمل. تدعى هذه الإشارة "علم التخلّق" نظرا لأنها لا تغيّر المعلومات التي تحملها الجينات ذاتها.
يبدو أن الإجابة على السؤال: إلى أي مدى يمكن إعادة الخلايا البالغة إلى حالة متعددة القدرات. أي هل يمكن إعادتها إلى حالة تعمل فيها كخلايا جذعية حقيقية، وهو أمر حاسم فيما يتعلق بإمكانية استخدامها في الطب المجدد (تجددي)- يعود أساسا إلى السؤال إلى أي مدى يمكن إلغاء الإشارة الكيميائية للتخلّق.
من الواضح، في يومنا هذا، أنه علاوة على الكود الجيني الذي يقرر الكثير من تعليمات التشغيل الهامة للخلية، فإن الخلايا تتحدث هي أيضا بلغة كيميائية جينية منفردة تماما – لغة التخلق. يقول أخصائي علم الوراثة بريان طرنر من جامعة برمنغهام في انجلترا "قد يكون لدى الأشخاص ميلا للإصابة بأمراض كثيرة ومنها مرض السرطان، ولكن العوامل البيئية هي التي تحدد، أحيانا، فيما إذا كانت الأمراض ستحدث أم لا، بواسطة مسارات التخلق هذه".
______________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________
لقراءة المزيد
Beyond the Molecular Frontier: Challenges for Chemistry and Chemical Engineering. National Research Council. National Academies Press, 2003.
Beyond the Bond. Philip Ball in Nature, Vol. 469, pages 26-28; January 6, 2011.
Let’s Get Practical. George M. Whitesides and John Deutch in Nature, Vol. 469, pages 21-22; January 6, 2011.